القرطبي

166

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

العدل هو كل مفروض ، من عقائد وشرائع في أداء الأمانات ، وترك الظلم والانصاف ، وإعطاء الحق . والاحسان هو فعل كل مندوب إليه ، فمن الأشياء ما هو كله مندوب إليه ، ومنها ما هو فرض ، إلا أن حد الاجزاء منه داخل في العدل ، والتكميل الزائد على الاجزاء داخل في الاحسان . وأما قول ابن عباس ففيه نظر ، لان أداء الفرائض هي الاسلام حسبما فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث سؤال جبريل ، وذلك هو العدل ، وإنما الاحسان التكميلات والمندوب إليه حسبما يقتضيه تفسير النبي صلى الله عليه وسلم في حديث سؤال جبريل بقوله : " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " . فإن صح هذا عن ابن عباس فإنما أراد الفرائض مكملة . وقال ابن العربي : العدل بين العبد وبين ربه إيثار حقه تعالى على حظ نفسه ، وتقديم رضاه على هواه ، والاجتناب للزواجر والامتثال للأوامر . وأما العدل بينه وبين نفسه فمنعها مما فيه هلاكها ، قال الله تعالى : " ونهى النفس عن الهوى ( 1 ) " وعزوب ( 2 ) الأطماع عن الاتباع ، ولزوم القناعة في كل حال ومعنى . وأما العدل بينه وبين الخلق فبذل النصيحة ، وترك الخيانة فيما قل وكثر ، والانصاف من نفسك لهم بكل وجه ، ولا يكون منك إساءة إلى أحد بقول ولا فعل لا في سر ولا في علن ، والصبر على ما يصيبك منهم من البلوى ، وأقل ذلك الانصاف وترك الأذى . قلت : هذا التفصيل في العدل حسن وعدل ، وأما الاحسان فقد قال علماؤنا : الاحسان مصدر أحسن يحسن إحسانا . ويقال على معنيين : أحدهما متعد بنفسه ، كقولك : أحسنت كذا ، أي حسنته وكلمته ، وهو منقول بالهمزة من حسن الشئ . وثانيهما متعد بحرف جر ، كقولك : أحسنت إلى فلان ، أي أوصلت إليه ما ينتفع به . قلت : وهو في هذه الآية مراد بالمعنيين معا ، فإنه تعالى يحب من خلقه إحسان بعضهم إلى بعض ، حتى أن الطائر في سجنك والسنور في دارك لا ينبغي أن تقصر تعهده بإحسانك ، وهو تعالى غنى عن إحسانهم ، ومنه الاحسان والنعم والفضل والمنن . وهو في حديث جبريل

--> ( 1 ) راجع ج 19 ص 205 . ( 2 ) في ى : عزوف .